محمد بن جرير الطبري

154

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وتأويل الكلام : ما أبصر الله لكل موجود ، وأسمعه لكل مسموع ، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع ، تبارك وتعالى حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ قال : يرى أعمالهم ، ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا . وقوله : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يقول جل ثناؤه : ما لخلقه دون ربهم الذي خلقهم ولي ، يلي أمرهم وتدبيرهم ، وصرفهم فيما هم فيه مصرفون . وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً يقول : ولا يجعل الله في قضائه ، وحكمه في خلقه أحدا سواه شريكا ، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم ، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحب . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا ، ولا تتركن تلاوته ، واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه ، والعمل بحلاله وحرامه ، فتكون من الهالكين ؛ وذلك أن مصير من خالفه ، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول : لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك أهل معاصيه ، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك . وقوله : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يقول : وإن أنت يا محمد لم تتل ما أوحى إليك من كتاب ربك فتتبعه وتأتم به ، فنا لك وعيد الله الذي أوعد فيه المخالفين حدوده ، لن تجد من دون الله موئلا تئل إليه ومعدلا تعدل عنه إليه ، لأن قدرة الله محيطة بك وبجميع خلقه ، لا يقدر أحد منهم على الهرب من أمر أراد به . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : مُلْتَحَداً قال أهل التأويل ، وإن اختلفت ألفاظهم في البيان عنه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله : مُلْتَحَداً قال : ملجأ . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مُلْتَحَداً قال : ملجأ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً قال : موئلا . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : مُلْتَحَداً قال : ملجأ ولا موئلا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً قال : لا يجدون ملتحدا يلتحدونه ، ولا يجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعهم . والملتحد : إنما هو المفتعل من اللحد ، يقال منه : لحدت إلى كذا : إذا ملت إليه ؛ ومنه قيل للحد : لحد ، لأنه في ناحية من القبر ، وليس بالشق الذي في وسطه ، ومنه الإلحاد في الدين ، وهو المعاندة بالعدول عنه ، والترك له . القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ . . . فُرُطاً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَاصْبِرْ يا محمد نَفْسَكَ مَعَ أصحابك الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها يُرِيدُونَ بفعلهم ذلك وَجْهَهُ لا يريدون عرضا من عرض الدنيا . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ في سورة الأنعام ، والصواب من القول في ذلك عندنا ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . والقراء على قراءة ذلك : بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ وقد ذكر عن عبد الله بن عامر وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما كانا يقرآنه : " بالغدوة والعشي " ، وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهة ، لأن غدوة معرفة ، ولا ألف ولا لام فيها ، وإنما يعرف بالألف واللام